> فترة عهد الحماية    
 

نرى أنه من الأفيد قبل الخوض في هذا الإتجاه، أن نلقي نظرة عن وضعية المغرب خلال القرن التاسع عشر، حيث كان يعاني من أوضاع إقتصادية واجتماعية وسياسية مزرية، جعلته محط أطماع وتكالب القوى الإستعمارية خاصة الفرنسية والإسبانية منها، وهكذا ما كانت فرنسا تبسط سيطرتها على الجزائر، حتى بادرت إلى استغلال أية فرصة تخول لها التدخل عسكريا في المغرب، فاستغل الفرنسيون لجوء الأمير عبد القادر إلى شرق المغرب، إذ راسل على الفور المارشال بيجو حاكم الجزائر قبائل المنطقة ومنها أحلاف تاوريرت، (1)  من  مغبة مساعدة الأمير المذكور في حربه ضد فرنسا انطلاقا من مجالها الجغرافي، وكما استمالت الشيخ بوعمامة بعيون سيدي ملوك والروكي بوحمارة الخارج عن طاعة المخزن لتمهيد الطريق للإستعمار الفرنسي بالمنطقة. وهكذا شكلت تاوريرت محطة مهمة في تحركات بوحمارة وأصاره ضد المخزن بالمنطقة حيث لجأوا إلى قصبة المولى إسماعيل وخيموا على واد زا، بعد أن تمكنت السلطات المخزنية من استرجاع مدينة وجدة. وتجدر الإشارة أن الدعي الذي كان يعاني في هذا الوقت آلام جراحه ولا يتحرك بسببها إلا بصعوبة وعسر صار يتلقى علاجا عصريا على يد طبيب فرنسي لأنه استعصى علاجه على يد الأطباء التقليديين.(2) وقد يقوم بالمهام العسكرية والإدارية في غيابه، خليفتاه أبو عمامة البوشيخي وأبو حصيرة العتيقي، وحاول هذا الأخير خلال شهر رمضان 1321 هـ، 1903م القيام ببعض العمليات ناحية واد زا ضد قبائل عادت إلى طاعة المخزن، فلم يحصل على طائل، كما كتب إلى جميع القبائل يأمرها بالحركة والقيام عليه، ولما لم يرد عليه أحد خاف على نفسه ففر في لمة من الخيل إلى دبدو تاركا خيامه بواد زا وأشاع أنه ذهب إلى تازة ليشكو إلى سيده القبائل التي لم تمتثل لكلامه.(3)

وتفيد الرواية الشفوية بأن بوحمارة حل ببني كولال بمحل يقال له أجدير وقام بمحاصرة أهل زاوية تالمست بسبب التوعية التي يقوم بها مولاي أحمد شيخ الزاوية بالثورة عليه وقد أرسل بوحمارة جنوده يأمرهم بالهجوم على تالمست:"جنودنا الأوفياء، إنكم سوف تذهبون إلى زاوية تالمست فاربطوا عليهم حتى ينخنقوا ويرجعون إلى الجادة". وقد تدخل المولى الصديق  وهو رجل مسن إلى بوحمارة بأن يعدل عن هذا الهجوم وقدم له فدية بحوالي 400 دورو ترانجي فقال له بوحمارة:" بأن السيد المذكور حرقنا بلسانه وهو رجل كألف وألف كأف..."(4)

أما أنصار زاوية بوعمامة فقد مهدوا السبيل للإستعمار الفرنسي السياسي والعسكري والإستيطاني وشنوا عدة غارات على قبائل المنطقة وحتى أحلاف تاوريرت قبل أن يتمركز الكولونيل "باصار" بعيون سيدي ملوك في يوم الأربعاء 6 جمادى الثانية 1328هـ منتصف يونيو 1910م وشاركوا في الهجومات المتوالية التي قادها الكولونيل "فيرو" على تاوريرت 20 جمادى الثانية 1328هـ، 29 يونيو من نفس السنة، فأنزل حامية هناك، ثم نقلها بعد مدة وجيزة لأسباب صحية وأمنية إلى دار الشاوي جنوب تاوريرت.(5)

وعن المقاومة في مدينة تاوريرت ضد الزحف الفرنسي على المنطقة، كانت الدوريات العسكرية الفرنسية تقع من حين لآخر في الكمائن التي كان ينصبها الأحلاف ففي 03/08/1912 تركت كتيبة القبطان بيرطون عدة ضحايا بين عين ادريسة وتاوريرت وفي 31 من نفس الشهر كادت عربة المسافرين الرابطة بين وجدة وتاوريرت تسقط في أيدي المجاهدين بتاوريرت.(6)

وهكذا فأهمية موقع تاوريرت ودورها التاريخي لم يغب عن أنظار المستعمر الفرنسي وبادر إلى احتلالها سنة 1911م قبل معاهدة الحماية(7). وشيدوا ثكنة عسكرية قوية بها لتكون القوة الضاربة في المعارك اللاحقة، وأسسوا بها مركز اتصال مباشر يربط بين تاوريرت وباريز(8)، وهذا يبين المكانة التي كانت تحظى بها مدينة تاوريرت عند الفرنسيين من الناحية العسكرية.

   مقاومة الإحتلال الفرنسي في تاوريرت ما بين (1953-1956)  - شهادة مقاوم

المقاوم العياشي مولاي أحمد بن محمد، كاتب ومؤسس فرع حزب الإستقلال بتاوريرت ولد سنة 1923م، تلقى تعليمه في جامعة القرويين بفاس، وعاش أدق فترات الإستعمار الفرنسي، ومباشرة بعد تقديم وثيقة الإستقلال في 11 يناير 1944م، حركته الروح الوطنية وقام إلى جانب إخوانه المقاومين بالمنطقة ك السي محمد لمطالسي ، والسي أحمد بن الطالب الميداوي، بتوعية الناس بالإستقلال وبأنه كان لهم دولة وكيان مستقل عن طريق توزيع المناشير التي تحمل عدة شعارات منها:

- كن مستيقضا أيها الشعب النبيل، إن ملكك ووطنك في خطر، جد عليهما بدمك.

- أيها الشعب النبيل، إحذر مناورة الكلاوي وكن مستعدا للموت.

ويشهد مولاي أحمد المشهور بالتالمستي، أنه بعد هذه التعبئة الياسية ومباشرة بعد ثورة الملك والشعب، انطلق العمل المسلح ضد الإحتلال الفرنسي بالمنطقة، إذ قام رجال المقاومة بعدة عمليات مسلحة بواسطة المتفجرات التي صنع بعضها في منجم ناركشوم ومنجم تنوران في بني بوزكو، إضافة إلى الذخائر الحية من رصاص ومسدسات... ومن العمليات التي نفذها رجال المقاومة حسب المقاوم المذكور.

- الهجوم على قواة الإحتلال بتافرطة بمحل يقال له صبيعات الديب، حيث كانوا يقومون بالتدريب هناك.

قطع الأسلاك التللفونية بين دبدو وتاوريرت.

وطالما أن العدو واحد ومشترك بالنسبة لجميع المغاربة كانت المقاومة في منطقة تاوريرت على اتصال دائم بالمقاومة الوطنية خاصة بتزي وسلي المتمركزة ناحية تازة، إذ توصل المقاوم مولاي أحمد بن محمد العياشي برسالة في 16/03/1956م يطلب فيها من المقاومة في تاوريرت تقديم يد المساعدة والإعانة للمقاومة هناك، وفي ما يلي نص الرسالة:

حضرة الأخ السيد محمد الشريف المذكور كاتب حزب الإستقلال على سيادتكم السلام وأزكى التحية والإكرام وأما بعد أيها الأخ فقد يسلموا عليك رايس سرجان أحصبان مع سرجان كزوط مع الإخوان المجاهدين يسلمون عليك سلاما كثير وكذلك نسلموا على اعلي ولد بن زركى فهو يسلم على رجال الثورة كذلك ويسلموا أيضا على اعلي ولد محمد لقرع الخليفة كثيرا من السلام وأما بعد أيها الإخوان كنطلب منكم وقفوا مع شعبكم العزيز وأحث كذلك المكافحين على بلدنا وانتما يا خواننا أرجو منكم تعونونا من عندكم والسلام عليكم ورحمة الله.   محيكم سرجان أحصبان وخليفته سرجان كزوط (9).

وفعلا توصلت المقاومة بتزي وسلي بمساعدات مادية وذخائر حربية وكل ما يلزم العمل المسلح ضد الإحتلال الفرنسي من طرف رجال المقاومة بتاوريرت عن طريق المقاوم العياشي أحمد بن محمد.(10 وهذا يحتم على المهتمين بالتاريخ عدم إغفال أو تهميش دور المقاومة بتاوريرت في طرد المستعمر الفرنسي ومطالبتها باستقلال المغرب ورفع حجر الحماية عليه.