> لمحة تاريخية / ..2
 

تطلع المصادر التي تزامنت مع الفترة المرينية، وحتى التي جاءت من بعدها بإيضاحات مهمة،  تخص تأسيس القلعة العسكرية بتاوريرت، هذه القلعة التي ارتبط معها التاريخ المحلي للمنطقة وبالأحرى الوطني، من خلال آثار بصماتها في الصراع المريني الزياني على مناطق النفوذ في المغربين الأوسط والأقصى.

 هناك حقيقة أساسية  يجب الإشارة إليها تتعلق بتضارب الآراء بين المؤرخين بخصوص سنة تأسيس القلعة التي اعتبرت على مدى سنين عديدة رمز الحياة العامة للمدينة وكذا تجديدها وإعادة ترميمها. وهكذا أشار "ابن خلدون" إلى بناء الحصن في سنة 694 في إطار تحركات الأمير المريني أبي يعقوب يوسف في اتجاه بني عبد الواد بتلكمسان في الجزائر:

قصبة مولاي إسماعيل بقبيلة أهل الكرارمة

 "ونهض سنة أربع وتسعين هـ حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت، وكانت تخما  نشطا بين عمل  بني مرين وبني عبد الواد، في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن،  فطرد السلطان عامل يغمراسن  وتميز بها. واختط الحصن الذي هناك لهذا العهد. تولاه بنفسه يغادي الفعلة ويراوحهم وأكمل بناءه في شهر رمضان من نفس السنة واتخده ثغرا لملكه وعقد عليه لأخيه يحيى بن يعقوب وانكفأ راجعا للحضرة".

في حين جعل ابن أبي زرع بناء الحصن سنة 695 :" ثم دخلت سنة خمس وتسعين، فيها خرج أمير المسلمين يوسف لغزو بلاد تلمسان، فنزل بجانب حصن تاوريرت وكان نصفه لعثمان بن يغمراسن ونصفه لأمير المسلمين، لأنه كان الحد الفاصل بين بلادهما، فطرد منه عامل عثمان بن يغمراسن المذكور وأخد في بناء الحصن، فبدأ في بناء صوره في أول يوم من شهر رمضان من سنة خمس وتسعين المذكورة، فكان رحمه الله يصلي الصبح، ثم يقف على بنائه بنفسه ثم رجع إلى رباط تازة فعيد عيد الفطر على واد ملوية بعد أن أسكن بحصن تاوريرت المذكور قبيل بني عسكر، وقدم عليه أخاه الأمير أبي يحيا ابن أمير المسلمين يعقوب رحمه الله". ابن أبي الزرع، كتاب "الأنيس المطرب بروض القرطاس في اخبار ملوك المغرب وتاريخ ملوك مدينة فاس.

أما  أبي القاسم الزياني صاحب " الترجمان الكبرى " جعل بناء الحصن بتاوريرت في القرن السابع الهجري دون تحديد سنة التأسيس بالضبط: " وأمام قلعة "دبدو" و "أكرسيف" و "تاوريرت" فقد أحدثهما أمراء بني مرين في السبعمائة"   عن كتابه : الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا.

وامام تباين التواريخ التي أوردها المؤرخون وتضاربها، السؤال التالي يطرح نفسه بصيغة أكثر إلحاحا. ماهي سنة تأسيس قلعة تاوريرت؟

تعتبر سنة التأسيس، التي أوردها ابن خلدون هي الرواية الأقرب إلى الصواب، ويعزى هذا إلى أن العلامة ابن  خلدون كان قريبا من الأحداث وعاصر أدق فترات الدولة المرينية، ومما يدعم هذا الطرح هو اعتماد جل المراجع المتأخرة على رواية ابن خادون، ومن بينها قدور الورطاسي: " وفي سنة أربع وتسعين عاود يوسف ابن عبد الحق إلى غزو تلمسان فوصل إلى تاوريرت  وشرع في بناء الحصن هنالك". ونفس الشيء بالنسبة للإسماعيلي مولاي عبد الحميد العلوي الذي اعتمد هو الآخر على رواية ابن خلدونز " اختط الحصن الذي هنالك إلى هذا العهد ... وأكمل بناءه في رمضان في 694 يوليوز -  غشت 1295م ". و من العوامل التي أدت إلى بناء قلعة تاوريرت، أنه لم يعد في إمكان حصن كرسيف مراقبة القبائل المتعددة بالمنطقة فقرر أبو يعقوب  يوسف بناء حصن تاوريرت سنة 1295م ، 694 هـ لا لمراقبة المنطقة فحسب ولكن لمواجهة بني عبد الواد بتلمسان الأكثر تهديدا لمملكة فاس من ناحية الشرق. وعلى العهد العلوي جددت قلعة تاوريرت على يد السلطان المولى اسماعيل إثر حملة هذا الأخير على شرق المغرب لإخضاع قبائل خرجت عن طاعة المخزن، وقام بتشييد عدة  قصبات لاستثباب الأمن، وقد أصبحت قلعة تاوريرت عامرة بعد أن أنزل بها السلطان مائة فارس من عبيده بعيالهم وأولادهم. ونشير إلى أنه بعد التأسيس  أعاد بنائها السلطان المريني أبو سعيد عثمان لأنه ربما تكون قد تعرضت للتخريب من طرف بني عبد الواد: " وفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة تحرك أمير المسلمين عثمان إلى رباط تازة. فأقام به مدة من ثلاثة أشهر وأمر ببناء حصن تاوريرت وشحنه بالرجال والرماة والخيل." ابن أبي الزرع.

هذه القلعة مازالت قائمة في مكانها إلى يومنا هذا، رغم مرور حوالي سبعة قرون عن تشييدها، وللمرء أن يعتقد بأن الزمن لم يحدث أي تأثير على صور القلعة اللهم ما شهده جدرانه من تغيير اللون بفعل التقادم والتآكل، وهي الآن معمرة من طرف عائلات من قبيلة الكرارمة، ويمتد صور القلعة بشكل شبه دائري على طول 825.5 متر، وبقي حو يحيط بالكدية التي أصبحت مكسوة بالدور المبنية بالطوب والحجر لأصحابها المذكورين، إندثر منه حوالي 539.5 متر، وبقي حوالي 273 متر واقفا.

قصبة مولاي إسماعيل بقبيلة أهل الكرارمة

كما يحتوي صور القلعة على أبراج مربعة ومستطيلة الشكل دون الأبراج الدائرية، يبلغ علوه 10 أمتار وعرضه حوالي مترين كما كان القلعة تتوفر على باب عرضه حوالي 14 متر. والجدير بالذكر أنه في إطار الاهتمام بالنآثر التاريخية المحلية، شقت طريق معبدة نحو القلعة التي تعرف محليا بقصبة المولى اسماعيل، كما تعرف بالسوق القديم، لأنه كان يعقد بها سوقا أسبوعيا قبل أن ينقل  إلى دار الشاوي على بعد ثلاثة كيلومترات من تاوريرت مع دخول الاستعمار الفرنسي إلى المنطقة.