> أخبار القبائل / بني بوزكو / حروب بني بوزكو بزعامة القائد حمادة

المرجع الرئيسي لأخبار القبائل بتاوريرت هو: "شذرات عن أخبار بعض القبائل" للكاتب المحترم: "بوجمعة حسني بن مصطفى البشير أزروال".

 


    حروب بني بوزكو بزعامة القائد حمادة   

 أنساب بعض سكان بني بوزكو  حروب بني بوزكو  القائد نكادي  القائد حمادة 

يبدو أن شوكة قبيلة بني بوزكو بدأت تقوى أكثر فأكثر منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولا شك أن الصراعات في هذه الحقبة كانت تنشب كل مرة بين هذه القبيلة وتلك، والتحالفات بين القبائل تتغير كل وقت وحين، وليس غريبا أن نرى الصراع قائما بين بني بوزكو والسجع بسبب المحاصيل الزراعية سنة: 1873، ثم نراهم سنة  1892 يتحالفون معهم ضد بني وريمش.

في سنة 1892 انقض القائد حمادة ومعه القبائل الحليفة على بني وريمش فعاثوا فيهم قتلا وحرقا، وبعد انتصاره فرض عليهم غرامة مالية ضخمة (عن فوانو ص 471/472 وما بعدها).

     موقعة الركنة      

سمعت الكثير عن هذه الحرب القبلية من شيوخ وشباب قبيلة بني بوزكو، وهم قد سمعوا ذلك كذلك ممن شهد تلك الحروب أو شاهد وسمع ممن حضرها، ولا أشك في جملة وقوعها، إلا أن تفاصيلها قد يتعذر استيعابها، وأقوى دليل على وقوعها الخندق  المعروف ب < أحفير> الواقع طولا شرق سوق الخميس ب <تابلبالت> الواقعة بين مرتفع <توريرن> ةالخميس بتانشرفي، والذي اتخده بنوبوزكو حاجزا منيعا ضد خيل قبائل السجع وغيرهم من حلفائهم.

وخلاصة ذلك أنهم قالوا: إن نزاعا مستمرا كان يقع بين بني بوزكوا بما قيهم يومئذ إحدوين وبين قبيلة السجع حول استغلال قطعة أرضية، تقع اليوم بين إحدوين وبني بوزكو، وكانت تعرف ب <تاونكاط>، وكان القوم يتسابقون إلى حرثها والانتفاع بحشيشها، وفي تلك السنة كان بنوبوزكو هم الذين استولوا على حرثها وزرعها وحازوا ورقة الانتفاع بها، إلا أنهم بعد الحصاد وجمع الزرع في سنبله بالبيدر ووضعه أكواما، جاءت طائفة من السجع فأشعلوا فيها النيران، وبعد ذلك بأيام التقى القائد حمادة بالقائد احمدان، فنظر احمدان إلى حمادة وقال له ساخرا  مستهزئا، مالي أرى وجهك تعلوه الصفرة والذبول وقد عاد وكأنه طرف جلد قربة بالية"؟

فأجاب حمادة: ليس وجهك وجه الحي!! إنما هو وجه جلد الشاة التي تطأه الأقدام بعد خرزه، وإن دخان أكوام السنابل  قد أعماني يا كذا!

ثم قال احمدان: <الركنة> - موضع قريب من عيةن سيدي ملوك-  موعدنا يوم كذا وكذا، ويومئذ تعلمون من هم الرجال.

فجمع كل قائد قبائله وأنصاره، وحل يوم الموعد، والتقى الجمعان بالركنة واشتد القتال بين الفريقين

وذكروا أن هذه الحرب القبلية الجنونية قد انتهت بهزيمة أعراب السجع وغيرهم، فقد بالغأنصار القائد حمادة في قتلهم وأسرهم، وتشريدهم حتى بلغت فلولهم المهزومة بسيط أنكاد بوجدة.

    في قبيلة أولاد اعمر

من المعروف لدى القبائل أن القائد حمادة حاول مرارا أن تصبح قبيلة أولاد اعمر تحت إمرته وقيادته، ولكنهم كانوا يرفضون كل مرة الخضوع والانضواء تحت لوائه، وكان كبيرهم وشيخهم اعمر مواليا مشايعا لأحد كبراء قادة بني يزناسن، ومرة حاول القائد حمادة الضغط عليهم للانضمام لقيادته، فسار الشيخ اعمر حتى أتى بني يزناسن مستنجدا بهم ضد حمادة. وإثرها  إليه قائدهم: <إن أنت غزوت أولاد اعمر فسأغزو خلفك بني بوزكو وسأسبي الرجال والنساء>.

وبعد مرور سنوات وموت الشيخ اعمر توجه القائد حمادة بجيش عظيم يضم القبائل التي كانت تحت سيطرته والقبائل الصديقة المحبة له، فسلك طريق سهل تافرطا حتى بلغ الفج المعروف ب <الصفية> الذي به ضريح سيدي بوجميلا. وهناك تعرض له الولي سيدي المدني فحذره من عاقبة هذه الحرب والفعلة الشنيعة التي تبرأ منها قائلا له: إنه لا خير فيها، ولكن القائد حمادة أجابه قائلا: إني لا أريد حربا ولا أرجو أن أتعرض لأحد بسوء إلا أني أريد أشق قبيلة أولاد اعمر وأمر وسطها بجيشي هذا وأشرب من مائها فقط. ولكن أولاد اعمر رفضوا هذه الخطة وقالوا لن يمر وسط قبيلتنا أبدا، واعتبروا ذلك إهانة وخضوعا لسلطة حمادة ، فعزموا على إشعال نار الحرب ولو ماتوا جميعا، ولئلا يفر بعضهم من ساحة القتال قالوا: تعالوا ليوثق كل منا رفيقه، وهكذا لا ندري أيا منهما بدأ اطلاق النار، وما هي إلا سويعات حتى اخترق جيش حمادة مراكز إطلاق النار ومقاومة أولاد اعمر. ولا ريب أن جميع أولئك الذين أوثقوا أنفسهم ورفقاءهم قد قتلوا، ولا زال كثير من الناس إلى يومنا هذا يعتبر ذلك أي إيثاق بعض المقاتلين لبعض بلادة وحمقا.

ولكن أولاد اعمر اعتبروا ذلك أقصى أنواع التضحية والمقاومة لجيش عدوهم الكبير. وقالوا إن فرقة إفقوين الذين كانوا تفرقوا في رؤوس الجبال لما عاينوا هزيمة إخوانهم هرعوا جميعا إلى تقصبت بجبل لمقام للدفاع عن حرماتهم إلى آخر رمق.

أما جيش حمادة فتوجه نحو جبل لمقام ولما حاذى ضريح سيدي علي بن سامح وضريح سيدي لحسن البلقاسمي <جد شرفاء دادا علي وتواسوين>، رد جميع فرقه أفواه بنادقهم ومدافعهم جهة الأرض إشارة إلى السلم والاستسلام لمقام الصالحين والشرفاء الأتقياء.

وبعد ذلك تعرض لهم السيد اعمر أويعلى جد الموغليات بأفقوين وطلب منهم أن ينسحبوا فورا من وسط القبيلة ويذهبوا راشدين إلى بلادهم تانشرفي.

ولكن ذكروا أن بعض فرق الجيش عاث في القبيلة فأحرق خياما وأتلف زرعا..

    مذبحة قصبة بني بوزكو

قبل وبعد قراءة قصة هذه المذبحة في كتابي <المطرب في تاريخ شرق المغرب> و<بنو يزناسن عبر الكفاح الوطني> للأستاذ قدور الورطاسي، وب<أعلام المغرب العربي> للأستاذ عبد الوهاب بنمنصور، و<تاريخ وجدة وأنجاد> لعبد الحميد اسماعيلي، سمعت الكثير عنها من أناس كثيرين من شيوخ بني بوزكو وشبانهم، واستيقنت أنها مما لا شك فيه،,,

وتفاصيل هذه الحادثة يتعذر استيعابها وجمعها في هذا الزمان،، ولم يبقى إلا من يحفظ خلاصة ذلك.

في قصبة القائد حمادة ببني بوزكو وقعت أحداث مذبحة مروعة راح ضحيتها ما يقرب من سبعين شخصا أو أقل أو أكثر، فيهم كبار القواد والوزراء والجنود والأتباع.

فقد غزى بوحمارة أكثر القبائل من شرق المغرب فاغتصب بناتهم ونسائهم وقطع رؤوس رجالهم، وعذب وشرد وقتل وحرق، ولم يبقى منكر شنيع إلا فعله بهذه القبائل.

ولما عاين قادة وشيوخ القبائل وشجعانها ما يفعله بوحمارة من القتل والتنكيل بمعارضيه أصبح منهم الناصر المنتصر له، وهم شر الخلق يومئذ ويوم تقوم الأشهاد، وكان منهم من قام في وجهه وقاتل حتى قتل أو حرق دون ماله وعرضه وحريمهوكان منهم ما سلك سبيل المصالحة والمسالمة، ولعلهم فعلوا ذلك حقنا لدماء المسلمين أن تزهق بغير حق وحفظا لأموالهم وأقوات عيالهم وارتكابا لأخف الضررين، والله أعلم.

أما القائد حمادة فقد سلك سبيلا آخر، سبيل المراوغة والمكر والحيلة، وقد كان لذلك ما بعده، ,وأتى أكله ولو بعد حين، والحرب خدعة كما قالوا.

أراد بوحمارة أن يستن بسنة من تقدمه من الملوك من التزوج ببنات كبار القواد ولتوثيق الصلة والعلاقة بينهم. وقد علم أن القائد حمادة كانت بنته زوجة للمولى الحسن الأول، فبعث إليه يخطب بنتا له. ولما أهديت له ورآها امتنع من اتخاذها زوجة، ثم بعث إلى القائد يقول ما معناه: أتزوجون مولاي الحسن ما يحب وتزفون إلي ما قد كرهت؟! وإني أريد بنت ابنك محمد الجميلة.

ولما بلغت كلمته القائد حمادة رأى أن هذه إهانة ومساومة فاضحة في حريمه، ولكنه كظم غيظه إلى حين، ,ارسل إلى بوحمارة قوله: إن المولى الحسن كان قد بعث من يختار له من عريفاته ووزرائه، فابعثوا أنتم كذلك من يتولى ذلك الأمر. فقبل بوحمارة هذا الجواب، وظن المغرور أنه قد أحرز مبتغاه وهواه، فعين واختار لهذه المهمة أبرز قواده ووزرائه وأقوى مناصريه، وقد اتفق الطرفان على يوم معين للحضور بقصبة القائد ببني بوزكو.

ثم بعث القائد حمادة إلى عامل وجدة وجيش <المخزن> المتواجد هناك طالبا من قادته أن يبعثوا إليه بمائة بغل مجهزة للرحيل ومعها من يصلح شأنها، ولا بد أنه كشف لهم عن الخطة التي نصبها وهيأها للقضاء على أنصار بوحمارة. ولذلك لا بد من الرحيل العاجل من بني بوزكو والانضمام إلى جيش <المخزن> بوجدة وضواحيها.

ولما وصل قادة بوحمارة إلى بني بوزكو قابلهم القائد بكل ترحاب وتكريم، وتظاهر لهم بالود والرضى، ومن ذلك جعل أكابر القادة والأنصار بدار الضيافة بقصره، ووزع الباي على إخوانه وحاشيته، بينما أخذ منهم الأسلحة ليستريحوا ويكونوا في حفظ وأمان، وذلك ما يفعله المضيف بضيفه عادة.

وفي المساء وبعد استراحة القوم واطمئنانهم، أمور القائد حمادة بإحضار كسوة جديدة لكل واحد من أولئك الأكابر وطلب منهم أن يبادروا إلى دخول الحمام للاستراحة أكثر وارتداء اللباس الجديد.

وكان قبل ذلك قد درس وناقش خطة المذبحة وقطع الرؤوس مع إخوانه وأقاربه وعبيده ومن يهمهم الأمر، وجعل القضاء على الأكابر والقادة واحدا واحدا أول شيء، وبعد الانتهاء من ذبحهم يطلق رصاصة في الهواء إيذانا بذبح الباقين ببيوت إخوانه وأقاربه.

وهكذا تمت الخطة بهدوء، وانطلت الحيلة على أصحاب بوحمارة البؤساء الأشقياء. فكان كلما تخفف أحدهم من ثيابه ودفع باب الحمام للاغتسال إلا واختطفه عبيد حمادة وحزوا رأسه أتوا على جميعهم، إلا اثنين كانا منعزلين في بيت، وامتنعا من تسليم أسلحتهما كما أكد ذلك سيدي العربي الورياشي في الكشف والبيان، نقلا وسمعا من فم أحد اللذين نجوا من الذبح.

أما الأكابر فكانوا أربعة عشر شخصا كما قال فوانو وقد ذكر أسماء، وذكر غيره أسماء أخرى.

وفي تلك الليلة حمل القائد حمادة أمتعته وأثقاله على دوابه ودواب الجيش ودواب أصحاب بوحمارة، وانطلق مسرعا هو ومن استطاع من أصحابه وأبناء قبيلته إلى وجدة. وبعد وصول الخبر إلى بوحمارة بعث جيشا ظالما فاسقا فاجتاح أراضي بني بوزكو فقتل وشرد واغتصب وعذب.

وقد سمعت الكثير من الافتنان والعذاب والقتل الذي لحق الشرفاء أبناء سيدي أبي القاسم أزروال ظلما وعدوانا من طرف جيش بوحمارة.

فقد هربوا بأنفسهم وعيالهم إلى رؤوس الجبال تاركين وراءهم دوابهم وأقوات عيالهم فاستولى على كل ذلك جيش بوحمارة.

سمعت من شرفاء تواسوين أن آباءهم وأجدادهم التجؤوا واختبؤوا في خلوة جدهم أبي القاسم أزروال بقمة جبله، وتفرق حاملوا السلاح برؤوس الجبال وقد عزموا على الفتك بجيش بوحمارة إذا ما حاول الصعود إلى الخلوة، وإن أدى ذلك إلى إبادتهم دون أعراضهم وحرمانهم.

وقالوا إن كتيبة منه مدججة بالسلاح حاولت الصعود إلى قمة الجبل حيث توجد الخلوة وسط الغابة الكثيفة، وما إن بدأ أول الكتيبة في الصعود حتى أطلق عليه الشرفاء رصاصتين فقط، فأصابت إحداهما فارسا منهم فسقط على الأرض ميتا، وظن العدو الغاشم أن الجبل كله مملوء بالرجال والسلاح، ...وهكذا عادوا وتجمعت كتائبهم ب <بوخلوف> بين بلاد القائد حمادة وأولاد علي <الملاسا>.

أما شرفاء أولاد سيدي أبي القاسم أزروال فتبعوهم من خلفهم يرقبون ما يفعلون وماهم عازمون عليه، ومما لاحظوه: أنهم لما تجمعوا ب <بوخلوف> جعلوا يذبحون المواشي التي استولوا عليها، ويوقدون النار لطبخها وشيها، ولا زالوا كذلك حتى أتاهم آت من بلاد <اسمونات> التي قالوا إن بوحمارة كان قد ضرب بها فسطاطه ومحلته، وقالوا ما إن طاف ذاك الفارس في جمعهم حتى رحلوا عن آخرهم واتجهوا صوب اسمونات القريبة من عيون سيدي ملوك.

فر كثير من بني بوزكو إلى القبائل المجاورة متنكرين ومختفين ينتسبون إلى غير قبيلتهم لئلا يأخدهم جيش بوحمارة. وقد غادر القبيلة مع القائد حمادة أكثر من 200 خيمة. ولم يبق ببني بوزكو إلا من كان مناوئا له أو لم يتمكن من الرحيل، وبعد غزو القبيلة نصب بوحمارة على أهلها شيوخا وقوادا، وقد ذكر بعضهم فوانو في كتابه.

وقد ظننت أن أكرطيط الذي كان قاسيا على أولاد  سيدي أبي القاسم أزروال كان بوحمارة هو الذي عهد إليه  بذلك، وقد بقي أكرطيط كذلك من: 1904 حتى 1910 أثناء غزو الجيش الفرنسي للقبيلة فأصبح قائدا على أهالي جبال بني بوزكو إلى أن ألقي عليه القبض من طرفهم واختفى إلى ما لا نهاية.